الفكر الصهيوني وفلسطين

لماذا يعزف العرب عن قراءة ما يكتبه الإسرائيليون؟
عبدالباري طاهر
December 16, 2020

الفكر الصهيوني وفلسطين

لماذا يعزف العرب عن قراءة ما يكتبه الإسرائيليون؟
عبدالباري طاهر
December 16, 2020

 ربما كانت نقطة القوة في الفكر الصهيوني هي الاهتمام بقراءة الوضع الفلسطيني بخاصة، والحالة العربية بصورة عامة، وغياب الاهتمام العربي بقراءة الآخر. 

   مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية اهتم بهذه القضية مؤخرًا، وقام بتقديم ستين كتابًا وكتيبًا حتى العام 1968، وقدم المركز المهم ترجمة اثنين وعشرين مقالًا لمفكرين صهاينة، وقد نشرت المقالات مجلة "الأزمنة الحديثة" في باريس. ويلاحظ الأستاذ أنيس الصايغ (المدير العام للمركز)، ضعف أو غياب الاهتمام العربي بالقراءة، والجهل المطبق بالفكر الصهيوني من قبل المؤسسات والمواطن العربي، أو ندرة الكتب والصحف التي تقدم فكر العدو أو تنقله في الوطن العربي، إما بفعل الرقابات الرسمية في بعض الأحيان، أو بفعل العزوف الفردي التلقائي عن تحمل قراءة سموم العدو؛ وهذا ما أسهم إلى حد كبير في تعميم هذا الجهل الشائع بين العرب لما يقوله العدو ويبرزه من حجج وآراء يحاول أن يكسب بها عطف العالم؛ وللأمر ارتباط بطبيعة النظام العربي؛ فالمنطقة العربية محكومة بأنظمة قروسطية مغلقة أمام الحريات العامة والديمقراطية وحرية الرأي والتعبير واحترام حقوق الإنسان، وضعف التنمية والبناء والتحديث، في حين أن الكيان الصهيوني -رغم طابعه العنصري- يتيح قدرًا من الحريات الديمقراطية لمواطنيه، ويُخضع الحاكم للمساءلة، والاحتكام إلى صندوق الانتخاب، وبناء القدرات. أما الحاكم العربي فهو إما وارث لملك ممتد، وهو لا يُسأل عما يفعل، وإما عسكري استولى في انقلاب عسكري على الحكم بضربة لازب، وأصبح حكمه باسم الشعب، ولكن في ظل غياب الإرادة الشعبية العامة، يقوم الحاكم المتقمص للإرادة الشعبية بتغييب هذه الإرادة، وإسكات كل الأصوات، كما يكرس الحياة كلها لمقارعة العدو الخارجي؛ لإلغاء الإصلاحات الداخلية، وتعطيل بناء القدرات الوطنية، والوقوف ضد التنمية والتحديث، معلقًا عجز حكمه على مواجهة العدو. 

    يتفق الفكر الصهيوني والقومي العربي في التأكيد على حقيقتين مهمتين؛ ففي حين يشير المفكر القومي قسطنطين زريق في سرده لأسباب النكبة في 1948، إلى أفضلية النظام الإسرائيلي، فإن المفكر الصهيوني يؤكد على ما سبق إليه قسطنطين زريق، وهو أن ما ينقص الحياة العربية أكثر من أي شيء آخر إنما هو إصلاح داخلي جذري، وعمل ثوري تقدمي، وسلطة لا جدال في أمرها.

    يعلق الكاتب الصهيوني "السير اليعازر بيري"، أو يعترف بأن حركة الوحدة العربية موجودة من دون الصهيونية ومن دون إسرائيل، لكن من الجلي أن النزاع مع إسرائيل يفعل كخميرة؛ يزيد كثيرًا من سرعة انطلاقها ومن شدتها النزاعُ اليهودي-العربي. [من الفكر الصهيوني المعاصر، ص419]. 

    كانت الحرب ضد إسرائيل والمواجهة معها متكأً لقيام العديد من الانقلابات العسكرية، خصوصًا في سوريا والعراق، وكان ثمة انقلابات يتصدر بيانها الأول "تحرير فلسطين"، وتحت هذا الهدف القومي الكبير تُعلن حالة الطوارئ، وتُعطل الحياة السياسية، وتحرم حرية الرأي والتعبير، وتعلق أعمال التنمية والبناء والتحديث والديمقراطية على مشجب مواجهة العدو الصهيوني وعملائه في الداخل.

    الحرب مع الكيان الصهيوني قوت العسكرة في الحياة العربية، ووظفت الإمكانات للتسلح، وتزامن العداء المعلن لإسرائيل مع نسج العلاقات السرية معها لأكثر من نظام عربي، وكانت أمريكا هي الخصم والحكَم في هذا الصراع.

يتلاقى اليمين الأمريكي والصهيوني مع أنظمة عربية تابعة، تربطها علاقات تبعية لأمريكا وصلات مع إسرائيل، وتواجه تهديدات من رياح الربيع العربي، وصراعًا مع محيطها العربي. هذا ما يفسر التحالفات الجديدة بين المطبعين العرب وإسرائيل

    كان اليسار يؤشر إلى وجود علاقات وروابط بين بعض الأنظمة العربية وإسرائيل، ولكن لا أحد يعير الاهتمام لذلك. فالصحفي الكبير هيكل من أوائل من أشار إلى وجود روابط متينة بين إسرائيل والأردن والمملكة المغربية والعربية السعودية، ومشاركة إسرائيل في الحرب على اليمن في ستينيات القرن العشرين الماضي، واشتراك السعودية مع إسرائيل في التحضير لهزيمة 1967. 

    كانت حرب اليمن 1962-1967، بوابة حرب 67، وكانت حرب الخليج الأولى والثانية بوابة تدمير الكيانات العربية في العراق وسوريا وليبيا واليمن والسودان. لقد كان العسكر في قيادات هذه الأنظمة صناعًا حقيقيين للحالة التي وصلت إليها الأمة وبلدانهم. 

    لعل تعبير التطبيع مع إسرائيل دقيق وعميق الدلالة؛ فالعلاقة الشائنة المحرمة والمستترة تعلن وتُشرعَن، لتصبح طبيعية وحلال زلال. 

    العلاقة بين جل هذه الأنظمة كانت موجودة، وتصل إلى التنسيق والتعاون العسكري، كما هو الحال في الحرب على اليمن 1962-1967، أو التعاون الأمني وتبادل الأسرار، كما هو الحال بين الملكين الأردني والمغربي.

    كان الخوف من تيار حركة القومية والثورة العربية هو ما يجبر الأنظمة التابعة على إخفاء العلاقات مع إسرائيل، وأحيانًا التظاهر بالمواجهة وعدم العلاقة معها مؤقتًا. 

    لعل المواجهة الأخيرة مع الربيع العربي قد أقنعت قادة الأنظمة العربية أن العدو الحقيقي هو شعوب الأمة والأمة نفسها، وأن الحامي الأمريكي لم يعد مضمونًا 100%، وقد أوكل ترامب مهمة الحماية للنظام المتآكل في الجزيرة والخليج للوكيل الإسرائيلي الوحيد. 

    هناك انقسام واستقطاب حاد في أمريكا بين الجمهوريين والديمقراطيين، وهو الاستقطاب الحاد الذي عبرت عنه الانتخابات الأمريكية الأخيرة 2020، وبروز دور لليمِينيين العنصريين، وللاتجاه الإنجيلي المتصهين والمؤيد بالمطلق لليمين الإسرائيلي العنصري والديني الحاكم في إسرائيل.

    يتلاقى اليمين الأمريكي والصهيوني مع أنظمة عربية تابعة، تربطها علاقات تبعية لأمريكا وصلات مع إسرائيل، وتواجه تهديدات من رياح الربيع العربي، وصراعًا مع محيطها العربي. هذا ما يفسر التحالفات الجديدة بين المطبعين العرب وإسرائيل، أو نقل العلاقة مع إسرائيل من السر إلى العلن.

    ما يميز الحكم العربي، ثورجيًّا كان أو ملكيًّا، هو العداوة بالأساس مع الداخل الوطني، والصراع مع الأمة وقضاياها الأساس، أما الصراع البيني العربي-العربي، فسمة عامة ومشتركة موروث بعضها من تركيبة عصر ما قبل الدولة.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English