مبيدات سامّة بمرشّات رسمية

تأثيرات مميتة طالت النحل في أكثر من محافظة
April 27, 2024

مبيدات سامّة بمرشّات رسمية

تأثيرات مميتة طالت النحل في أكثر من محافظة
April 27, 2024

تحقيق: يحيى الضبيبي - أشجان بجاش

فقدَ النحّال عزيز المجعشي، من منطقة ضنع الشعب، بمديرية العدين، في محافظة إب، أكثر من 500 خلية نحل كان يملكها، وبذل لأجل تربيتها جهودًا كبيرة، إثر هبوب عاصفة تحمل رذاذًا مطريًّا وأمواجًا من المبيدات السامة، جراء عمليات الرش العشوائية التي قامت بها إحدى الجهات المعنية لمكافحة البعوض في مناطق مجاورة.

لم يكن لدى المجعشي فكرة عمّا يجري، فقد أحاط مناحلَه بكثير من الاهتمام والحب، ما جعلها أهمّ وجهة لمريدي العسل عالي الجودة، لكنه استيقظ في صباح أحد الأيام على كارثة حقيقية، شاهَدَ فيها الأرضَ مفروشةً بالنحل الميت، كأنه أوراق الخريف المتساقطة. 

لا تقتصر مصيبة المجعشي على فقدانه مصدرَ رزقه، بل امتدت لتطال قوت أسرته المكونة من عشرة أطفال وأب وأمّ، الأسرة التي كانت تعتمد كليًّا على بيع العسل لتدبير حياتها.

بحرقة تحدّث النحّال الخمسيني لـ"خيوط"، قائلًا: "فقدت مصدر رزقي الوحيد بين ليلة وضحاها، في البداية لم أدرك سبب الوفاة الجماعي لكل خلايا النحل خاصتي، لكنني علمت لاحقًا، بعد أن فات الأوان!".

موت النحل داخل صناديق الخلايا

رشّ عشوائي

قبيل شهر رمضان المبارك، قامت بعض الجهات المعنية بمكافحة البعوض، بعملية رش واسعة بمبيدات حشريّة سامّة، شملت المناطق التي تم استهدافها مديريات متعددة من محافظات الحديدة، وريمة، والمحويت، وحجّة، وذمار، وإب، وتعز، تعرّضت على إثرها طوائف النحل للنفوق والموت، بلغت نسبة النفوق في بعض الحالات نسبًا مروعة، ما انعكسَ سلبًا على عمليّة تجييش النّحل (تقوية خلاياه)، والإنتاج بشكلٍ عام. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل تسبّبت عمليات الرش غير المدروسة بحدوث تأثيرات سلبية على البيئة المحيطة ومراعي النحل ذاتها.

حول هذه المأساة، تحدّث لـ"خيوط"، النحّال محمد صادق، من مديرية السخنة بمحافظة الحديدة، قائلًا: "تأثرت الطوائف القريبة من مناطق الرش بشكل كبير، حيث بلغت نسبة النفوق في بعض الطوائف 50%، مما أدّى إلى ضعفها وتوقفها عن زيارة المراعي، ومِن ثَمّ نفوقها".

ويضيف صادق: "تعرض النحل لأضرار جزئية في المنطقة الفاصلة بين مديرية السخنة التابعة لمحافظة الحديدة، ومديرية بلاد الطعام التابعة لمحافظة ريمة؛ المديريتان التي يعتمد سكانهما على المناحل مصدرًا رئيسًا للدخل، وهو ما انعكس سلبًا على حياة الأُسَر في المديريتين".

ويتابع صادق: "تم إجراء عملية الرش في مديرية السخنة، دون سابق إنذار، فالمديرية لم تكن ضمن المناطق المحدّدة للرش، الأمر الذي يعكس غيابًا للرؤية والتخطيط لدى الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارة الصحة". 

في السياق، يروي النحّال، رزاز عبده، قصةَ تدمير مناحله في وادي عنّة، بمديرية جبل راس في الحديدة، بالقول: "تسّمم النحل في منحلي الذي كان يضم 700 خلية نحل بلدي، بسبب رش مبيدات مكافحة البعوض بشكل عشوائي. انتهت بعض الخلايا نهائيًّا نتيجة للتسمم، ولم يتبقَّ منها سوى القليل، حاولت حينها منع فريق مكافحة البعوض من الرش بالقرب من المناحل، لكنهم رفضوا واستمرّوا في الرش بحُجّة أنّ المبيدات لا تؤثر على النحل، وتستهدف فقط الناموسيات، والآن أعاني من تبعات هذه الكارثة والخسائر التي سندفع ثمنها سنوات قادمة". 

نفوق النحل بسبب المبيدات السامة التي تعرض لها

تدمير رزق النحالين

تساهم طوائف النحل في تلقيح المزروعات وزيادة الإنتاجية الزراعية؛ أي إنّ الفائدة تبادلية، إذ يمتص النحل رحيق الأزهار للتغذية وإنتاج العسل، وفي الوقت نفسه يقوم بتلقيح الزهور، وهذا ما أكّده علي محرز، رئيس قسم تجارب المبيدات بالإدارة العامة لوقاية النبات بوزارة الزراعة والري بصنعاء، لـ"خيوط"، قائلًا: "النحل اليمني ثروة قومية يجب الحفاظ عليها من أضرار المبيدات، حيث يساهم النحل السارح في تلقيح الأزهار بنسبة 70%، ومن ثَمّ زيادة المحصول". 

ويشكو النحّالون من تزامن عملية الرشّ مع عملية التزهير لبعض الأشجار، مثل شجرة السدر الذي ينتج عنها (عسل السدر)، وشجرة الضبة، أو طلح الضبة وهي شجرة شائكة معمرة ذات تاج كروي تتدلى فروعها إلى الأرض، وتعتبر من أفضل أشجار الزهور العاسلة، وينتج منها أجود أنواع العسل، ويسمى (عسل الضبة).

وقد أثّرت عملية الرش العشوائي للمبيدات على المناحل، كما يقول النحّال محمد العفاري من محافظة حجّة، إذ يشير إلى أنّ عمليات الرش تتم في أيام حسّاسة من العام، مثل أيام تكاثر النحل ومواسم جمع رحيق السدر، ممّا يؤدّي إلى خسائر فادحة للنحّالين وانهيار العديد من الخلايا.

ويؤكّد العفاري في حديثه إلى "خيوط"، أنّ المبيدات المستخدمة تؤثّر على النحل من مسافات بعيدة، من خلال انتشار السم عبر الهواء، ومن ثمّ الوصول إلى المناحل، مما يعرّض حياة النحل للخطر.

ومن خلال ملاحظات النحّال العفاري، تبدو عملية مكافحة البعوض غير مدروسة من حيث تقييم فاعلية المبيدات المستخدمة عليها، إذ لا تتضرر كثيرًا بسبب طبيعة البعوض المقاومة، على عكس النحل الذي يتأثر أسرع، ما يجعله عرضة لخطر الانقراض، مهدِّدًا هذا القطاع الاقتصادي الهامّ، عامة.

يشكو النحّالون من نفوق نحلهم التي تشكّل مصدر رزقهم الوحيد؛ إثر رش المبيدات من وزارة الصحة التي تكافح البعوض، أو وزارة الزراعة التي تحارب الجراد، بينما تلقي الوزارتان تهمة الجهل وسوء استخدام المبيدات على المزارعين أنفسهم.

قاذف المسؤولية

في السياق، نفى مسؤولو مكافحة البعوض، الممثل بالبرنامج الوطني لمكافحة الملاريا بوزارة الصحة العامة والسكان، قيامَهم بالرش في المزارع والحقول.

وتحدث محمد الهادي، نائب مدير البرنامج لـ"خيوط"، عن طريقة الرش التي يتبعونها في برنامج المكافحة، قائلًا: "عملية الرش تتم فقط داخل المنازل على أسطح جدرانها من الداخل بمبيد مائي، وليس غازيًّا، ولا علاقة له بالنحل، لأن النحل لا يدخل المنازل".

ويضيف: "نحرص أيضًا على عدم رش القرى التي يوجد بها مناحل، حتى لا يتم اتهامنا بالاستهتار وعدم مراعاة حياة النحل. لكن في المقابل، هناك مبيدات زراعية محظورة عالميًّا بسبب تأثيرها على النحل، وهي متاحة في بلادنا لأيّ مواطن، يقوم المواطن -للأسف الشديد- برش المزارع بها دون تنسيق مع وزارة الزراعة ودون مراعاة نوع المبيدات، ودون وسائل حماية حتى للقائمين بعملية الرش، ما يؤدّي لتدمير مناطق رعي النحل، ومِن ثمّ نفوقها، وتدمير الصحة العامة للإنسان في مناطق مفتوحة الأجواء".

ويتابع قائلًا: "نحن ننسق مع المسؤولين في الزراعة لتبليغ النحّالين من منطلق الاحتياط، علاوة على أنّنا لا نقوم برش المبيدات في المزارع، ونعمل في وزارة الزراعة على تسجيل جميع أنواع المبيدات للمزارعين، بما في ذلك مجموعة (فيبرونيل) -وهو عبارة عن مبيد حشري واسع الطيف، ينشط عن طريق التلامس والابتلاع- ولا نستخدم هذه المبيدات الزراعية؛ بل نستخدم مبيدات تتواءَم والصحة العامة".

وحول تفسيره للعلاقة بين عملية الرش في المنازل ونفوق النحل، قال الهادي إنّه لا توجد علاقة بين الأمرَين، مشيرًا إلى أنّه تم مسبقًا الاطلاع على الشكاوى، وكان الحكم فيها بأنه لا علاقة للرش الذي نقوم به بنفوق النحل.

واستطرد الهادي حديثه قائلًا: "كانت منظمة "الفاو" ووزارة الزراعة قد قامتا في وقت سابق بحملات رش لمكافحة الجراد في الأجواء المفتوحة؛ ما تسبّب بنفوق النحل، لكن المنظمة ووزارة الزراعة، قامتا بتعويض بعض النحّالين، ولا أدري لماذا توجه التهمة في نفوق النحل لوزارة الصحة على الرغم من أنّ الوزارة تقوم بالرش منذ 2002 من دون حدوث أي مشاكل؛ لأننا نستخدم نوعًا معينًا كلَّ ثلاث سنوات، مثل: إيكون، وبانديوكارب، وغيرها من المبيدات التي نعرف تمامًا تأثيراتها".

من جانب آخر، أوضح أنّه تم التواصل مسبقًا مع وزارة الزراعة وتم عقد ورشتين للتنسيق خلال العام الماضي، والاتفاق على آلية تنفيذية مشتركة لتلافي حدوث أي أخطاء، إلى جانب التنسيق مع النحّالين، مؤكّدًا أنّ المزارعين الذين يقومون بالرش خارج المنازل هم السبب في حدوث مثل هذه الكوارث ومعهم وزارة الزراعة التي سبق أن ارتكبت عدة أخطاء أثناء مكافحة الجراد.

رفض مضادّ

موت النحل جراء استخدام المبيدات السامة

لكن هذا التصريح كان مثار رفض مطلق من النحّالين الذين أكّدوا أنّ عملية الرش جرت من وزارة الصحة العامة والسكان بدون سابق إنذار، وبدون أي تنسيق، وهذه الإشكالية ليست الأولى، فالأمر ذاته أكّدته الأرقام المهولة لعملية النفوق طيلة السنوات الماضية التي تزايدت فيها تأثيرات عملية الرش العشوائية، خصوصًا منذ سنة 2016. 

في هذا السياق، حصلت "خيوط" على شكوى مقدمة من القائمين على جمعية نحّالِي العسل بمديريتَي السلام والتعزية بمحافظة تعز، تفيد بتعرض نحلهم للموت جراء حملات الرش التي نفّذها مكتب وزارة الصحة لمكافحة البعوض في المحافظة، مؤكّدين عدم تجاوب مسؤولي الصحة في المديريتين مع مناشدات النحّالين لإيقاف عمليات الرش، بل إنّها امتدت لمديريات أخرى رغم إدراكهم مخاطرها على المناحل، إذ تم الرش بالمبيد الخاص بالبعوض، وهو مبيد قاتل للنحل، ويستمر تأثيره ستة أشهر لاحقة. 

ووفقًا للشكوى، فقد سبق لوزارة الصحة استخدام هذا المبيد خلال السنة الماضية في موسم السِّدْر، الأمر الذي انعكس سلبًا على مناحل عدة، وكررت الوزارة خطأها هذا العام من دون أيّ اعتبار لمصالح النحّالين. 

في محافظة إب المجاورة، لم يختلف الوضع، إذ شهدت هي الأخرى عمليات رش عشوائي مماثلة، كما يشير النحّال يحيى أحمد، أدّت إلى نفوق نحله.

يحيى يشكو لـ"خيوط"، ما حلَّ به، قائلًا: "لم يبقَ لي سوى خلية نحل واحدة، من عشرات الخلايا التي أحطتها بالرعاية اللازمة لرفع مناعة النحل وإنقاذه من الهلاك أو الرحيل".

"لقد فقدتُ مصدر رزقي، وضاعت جهود سنين من العمل، وأصبح مستقبلي مجهولًا؛ لأنّ تربية النحل كانت مهنتي المفضلة، ومصدر رزقي ورزق أطفالي طول السنوات الماضية"؛ يُنهي يحيى حديثه. 

حملات الرش المكثفة للمبيدات الزراعية أحد المهدّدات الرئيسية لطوائف النحل، التي عادة ما يتم تنفيذها بعد مواسم الأمطار الغزيرة والسيول المفاجئة التي تزيد من خطر انتشار أمراض مثل الملاريا، وتفشي الجراد الذي يمكن أن يدمر تمامًا المحاصيل الزراعية.

أضرار كبيرة

هذه النماذج تُظهر بوضوح تداعيات استخدام المبيدات الزراعية، خاصة المهرّبة والمحرّمة دوليًّا، بصورة غير صحيحة، وما تسبّبت به من خسائر كبيرة للنحالين، مهددّة بالقضاء على مهنة النحالة.

وعلى الرغم من عدم توفر إحصائيات دقيقة حتى الآن حول عدد المناحل المتضررة من الرش خلال الشهر الماضي، فإنّ مدير إدارة النحل وإنتاج العسل بوزارة الزراعة والري بصنعاء، المهندس نبيل العبسي، أشار لـ"خيوط" إلى أنّ المناطق التي تضرّرت من الرش كثيرة في عدة محافظات، منها منطقة المغربة، وتأثر بعض النحالين في مديرية بني العوام بمحافظة حجة، وآخرين في محافظة الحديدة، وبالتحديد في مديرية السخنة ووادي مور، وغيرها من المديريات، إلى جانب تأثر مديريتَي بلاد الطعام والجعفرية في محافظة ريمة، ومديريتَي حزم العدين وفرع العدين في محافظة إب، ومناطق أخرى في محافظات الجمهورية ما تزال قيد الحصر والتقييم. 

وأرجع العبسي سببَ تأخير إعلان الإحصائيات بشكلٍ دقيق إلى عدم استكمال موافاتهم بالبيانات من بعض المحافظات، وأهمية ارتباط إحصائيات حجم الضرر بضرورة معرفة نوع الخلايا المستعملة في تربية النحل، وحصر وتحديد المديريات التي تعرضت فيها النحل للموت، وتحديد الغطاء النباتي الرعوي للنحل، التي ما تزال الإدارة المعنية تعمل عليها.

وحول التنسيق بين وزارتَي الزراعة والصحة قبل عملية الرش، يقول العبسي: "نعم كان هناك تنسيق بين الزراعة والصحة السنةَ الماضية، وتم إعداد آلية لرش المبيدات، وتم التوقيع عليها من جميع الجهات المعنية بالزراعة والصحة، ولكن هذا العام لم يتم التواصل معنا من وزارة الصحة، غير أن المشكلة مرتبطة بالمزارعين أيضًا".

الخبير الوطني بتربية النحل، عائش الأهدل، تحدث لـ"خيوط"، قائلًا: "عدد المناحل المدمرة نتيجة للرش الذي حدث قبيل شهر رمضان كثيرة، وحجم الضرر كبير جدًّا على النحل والنحالين، أضف على ذلك تداعياته المستمرة، التي يترتب عليها نفوق كلي لبعض المناحل، وتأثير جزئي آخر يضعف مربي النحل؛ نظرًا للإجراءات الإضافية التي يتعين عليه اتخاذها في ظلّ الظروف الصعبة التي يعيشها النحّالون بالفعل".

وكان تقرير مقدم من وزارة الزراعة لمجلس الشورى بصنعاء، عن خلايا النحل وإنتاج العسل في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، اطلعت عليه "خيوط"، أظهرَ تعرّض طوائف النحل للتسمم نتيجة حملات الرش بالمبيدات الزراعية، رغم أنّ النحّالين تجنّبوا استخدام المواد الكيميائية التي يشيع استخدامها عالميًّا، لمكافحة الأمراض التي تصيب النحل (التي عادة ما ينتج عنها بقايا في العسل، خاصة المضادّات الحيوية، وهذا تحديدًا هو ما صنع الفارق الجوهري بين العسل اليمني وبين ما سواه). 

وأشار التقرير إلى أنّ حملات الرش المكثفة لمكافحة الجراد أو لمحاربة البعوض تُعدّ أحد المهدّدات الرئيسية لطوائف النحل في بعض مناطق اليمن، وألقى التقرير باللائمة أيضًا على المزارعين، خاصة في المناطق المشهورة بزراعة القات والخضروات والفواكه؛ بسبب قيامهم برش مبيدات فتّاكة تؤدّي إلى هلاك الآلاف من طوائف النحل.

وأكّد التقرير أنّه تم تنفيذ حملات الرش دون سابق إنذار، رغم وجود القرار الوزاري رقم (16) لسنة 2018، بشأن نظام تربية النحل والنحالة في البلاد، الذي ينص على إعطاء النحّال إشعارًا مسبقًا قبل خمسة أيام من الرش للسماح له بأخذ الاحتياطات اللازمة لحماية النحل، كل هذه العوامل أسهمت في تضرر طوائف النحل.

مهدّدات رئيسية

تعدّ تربية النحل أحد المشاريع الزراعية المهمة، ليس فقط لكونها منتجة للعسل والشمع وغيرها من منتجات النحل، بل أيضًا لأهميتها في رفع الإنتاجية الزراعية لكثير من أنواع المحاصيل الحقلية والبستانية، وتحسين جودة الثمار ومكافحة الآفات الطبيعية.

حول هذه المسألة، تحدّث رئيس الرابطة التعاونية للنحّالين اليمنيين، عبدالله ناشر، لـ"خيوط"، قائلًا: "تُعدّ حملات الرش المكثفة للمبيدات الزراعية أحد المهددات الرئيسية لطوائف النحل، التي عادة ما يتم تنفيذها بعد مواسم الأمطار الغزيرة والسيول المفاجئة التي تزيد من خطر انتشار أمراض مثل الملاريا، وتفشي الجراد الذي يمكن أن يدمر تمامًا المحاصيل الزراعية". 

ويضيف ناشر: "شهدت سنة 2020، والأشهر الأولى من سنة 2021، حملات مكثفة لمكافحة الجراد، نفذتها وزارة الزراعة والري في المناطق الخاضعة لسلطة صنعاء، إلى جانب حملات مكافحة البعوض التي نفّذها برنامج مكافحة الملاريا التابع لوزارة الصحة والسكان. ألحقت هذه الحملات أضرارًا بالغة بطوائف النحل، لا سيما في المناطق الغربية الممتدة من الحدود مع السعودية جنوبًا إلى محافظة تعز".

في الفترة من سنة 2015 حتى 2021، تسبّبت عمليات رش المبيدات الزراعية بموت 105 آلاف خلية نحل في 6 محافظات، هي: صنعاء وذمار والحديدة وحجّة وعمران وصعدة، بحسب مدير إدارة وقاية النبات بوزارة الزراعة، بصنعاء.

وخلال السنوات الماضية، تناقص عدد خلايا إنتاج النحل من مليون و322 ألف خلية سنة 2014، إلى مليون و197 ألف خلية في سنة 2018، لأسباب مختلفة، بينها رش المزارع بالمبيدات، في حين يعتمد معيشيًّا قرابة مئة ألف نحّال على تربية النحل.

والمبيد هو عبارة عن مادة أو مجموع موادّ تهدف إلى قتل أو منع أو طرد أو الحدّ من خطورة الآفات. والمبيد المثالي هو غير السامّ لنحل العسل، وفي الوقت نفسه يكافح آفة مخصصة بكفاءة عالية.

ويمكن تقسيم المبيدات، بحسب سميتها للنحل، إلى: مبيدات عالية السمية، وعادة هذا النوع من المبيدات يقتل النحل إذا تعرض له أثناء الرش أو بعد أيام قليلة من الرش، ومبيدات متوسطة السمية، وتكون محدودة إذا لم تُرَش على النحل وهو في الحقل أو إذا لم ترش على الخلايا بقرب الحقل، ومبيدات قليلة السمية، وهذا النوع من المبيدات يمكن استخدامه دون خوف على النحل، خاصة في حالة اتباع التعليمات الموجودة على العبوة.

وتشدّد العديد من الدراسات على ضرورة إعادة النظر في طريقة الرش، واستبدالها بالطرق البيولوجية المستدامة في مكافحة البعوض، والاهتمام بتنفيذ برامج إدارة شاملة بدلًا من الرش العشوائي.

يُفضّل استخدام الطرق البيولوجية لمكافحة البعوض بشكل فعّال وآمن، إلى جانب تعزيز الإجراءات الوقائية، مثل استخدام شاشات الحماية والأنظمة البيئية المستدامة، كما يُفضّل عدم رش القرى التي لا تحتوي على وديان جارية.

سبل الوقاية 

يقترح محرز عده خطوات أولية لسلامة المناحل، على رأسها تجنّب رش المحاصيل المزهرة، وضرورة تنبيه النحّالين قبل رش المبيدات، وفحص المحصول قبل الرش للتأكد من عدم وجود النحل السارح، وتجنّب الرش بالقرب من طوائف النحل، وفي هذه الحالة يفضل إبعاد المناحل من حول الرش، في دائرة نصف قطرها ثلاثة كيلومترات، واستخدم المبيدات الحشرية منخفضة السمية على النحل، إلى جانب الرش في الصباح الباكر، أو المساء حينما يكون النحل في خلاياه.

ويسرد محرز بعض الأسماء التجارية للمبيدات المتداولة في الأسواق المحلية، عالية السمية؛ للتحذير منها، وتجنبها، أهمّها: (أبامكتين - كلورفينابير - دلتامثرين - ديافينثيورون - إيمامكتين بنزوات - فنفاليرايت - فينبروباثرين – فنفاليرات – فيبرونيل – إميداكلوبرايد – إندوكس كارب – لامبداسيهالوثرين – سبينوساد – ثيامثوكسام).

موضحًا طرق تأثير المبيدات على النحل، قائلًا: "يتم التأثير بثلاث طرق، وهي الملامسة عن طريق جدار الجسم، والتسمم المعدي عن طريق دخولها إلى الجهاز الهضمي، أو عن طريق التنفس خلال دخولها من الثغور التنفسية أو الجهاز التنفسي لجسم النحلة"، منوهًا إلى أنّ بعض المبيدات تقتل النحلَ بطريقة واحدة فقط.

وبحسب المهندس محرز، فإنّ من أعراض تسمّم النحل بالمبيدات: وجود أعداد كبيرة من النحل الميت أمام مداخل الخلايا، وارتعاش جسم النحل وأرجله، وعدم اشتباك الأجنحة الخلفية مع الأجنحة الأمامية، وكذا زحف النحل أمام مداخل الخلايا وعدم قدرته على الطيران إلّا لمسافات قصيرة، والترجيع للمواد الموجودة بالجهاز الهضمي، وشراسة الشغالات الزائدة، وانتفاخ بطون الشغالات، وعدم قدرة النحل على التوجيه، وبقاء الكثير منه داخل الخلايا في حالة قريبة من الموت أو إصابته بالشلل.

وبالعموم، عند تسمم النحل، تصاب طوائف النحل بالجوع؛ نتيجة موت الشغالات السارحة (الحقلية)، وتموت الحضنة من البرد لقلة الشغالات الحاضنة التي تعرضت للتسمم، وتتوقف الملكة عن وضع البيض، أو يقل وضع البيض في الخلية، إلى جانب موت الملكات الذي يحدث نتيجة إحلال النحل لها، وضعف عام للطوائف التي تعرّضت للتسمم بالمبيدات، ممّا يجعلها عرضة للإصابة بالأمراض والآفات، وفي حالات كثيرة يؤدّي التسمم إلى موت الطائفة بالكامل.

من ناحيته ينصح الأهدل النحّالين بالالتزام بالتعليمات والإرشادات ومغادرة الأماكن المستهدفة، ويرى أنّ على المزارعين استخدام طرق أخرى غير الرش، مثل الناموسيات، وذلك للحفاظ على البيئة والحياة البرية. 

ويتابع: "ننصح بتحديد وقت تكاثر البعوض وعدم الرش في تلك الأيام، حيث ترتفع حرارة الجو، ويقل وجود البعوض، وبدلًا من ذلك، يُفضل استخدام الطرق البيولوجية لمكافحة البعوض بشكل فعّال وآمن، إلى جانب تعزيز الإجراءات الوقائية، مثل استخدام شاشات الحماية والأنظمة البيئية المستدامة، كما يُفضل عدم رش القرى التي لا تحتوي على وديان جارية، حيث يكون تأثير الرش على الحياة البرية والنباتات البرية أقل، ويمكن اتباع الإجراءات الوقائية الأخرى، مثل تدمير بؤر التكاثر وإزالة المياه الراكدة للحدّ من انتشار البعوض".

 ناشر يقترح استخدام نوع من البكتيريا لمكافحة البعوض، عوضًا عن المبيدات السامة، تسمى الـ(باسيلس سفريكس)، وهي نوع من البكتيريا المتخصصة التي توظف لمحاربة البعوض، دون أن تضرّ بالكائنات الأخرى كالنحل.

ويوضح الدكتور ناشر، أنه يمكن أيضًا استخدام الناموسيات أحد الخيارات التي يجب أن تكون جزءًا من البرنامج، وكذا ردم المستنقعات المائية في الأماكن التي يصعب ردمها، إضافة إلى استخدام زيوت خاصة يمكن نشرها على أسطح الماء لتشكل عازلًا بين يرقات البعوض الموجودة في داخل الماء وبين الهواء الجوي، فلا يستطيع البعوض التنفس؛ لأنّ يرقة البعوض تظهر من الماء، فتضع بيضها على سطح الماء، وتتنفس ثم تنزل داخل الماء، واستخدام هذا الزيت يشكّل حاجزًا ميكانيكيًّا عازلًا بين الهواء الجوي والماء، فيؤدّي إلى موت يرقة البعوض.

ويؤكّد ناشر على ضرورة إلزام حملات رش المبيدات الزراعية، وتلك التي تُنفَّذ في إطار حملات الصحة العامة، بتقديم إشعار مسبق للنحّالين، لإعطائهم الفرصة لاتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية طوائفهم من الأضرار التي قد تلحق بها، وأن يتعيّن النظر في مساءلة الجهات ذات الصلة، وإلزامها بدفع التعويضات للنحّالين الذين فقدوا مصدر دخلهم؛ نتيجة تضرر طوائف نحلهم بسبب حملات الرش غير المدروسة. 

ولتكامل الجهود لمنع وقوع أضرار جراء رش المبيدات الحشرية، يقترح المهندس علي محرز، جملةً من الاحتياطات التي يتعيّن على المزارعين ومستخدمي المبيدات الأخذ بها؛ على رأسها استخدم المبيدات عند الضرورة القصوى، والتركيز على المبيدات قليلة السمية على النحل، واستخدام المبيدات السائلة بدلًا من التعفير في شكل بودرة.

ثروة وطنية 

تعتبر مهنة النحالة واحدة من أهم مصادر الدخل التي تعيش عليها الكثير من الأُسَر ذات الدخل المحدود في اليمن، لا سيما في المناطق الريفية، ويعتمد عليها حوالي مئة ألف شخص.

تنتشر مهنة تربية النحل في معظم المحافظات وتحتل محافظة حضرموت المرتبة الأولى من حيث كمية إنتاج العسل، تليها الحديدة وشبوة وأبين، أما من حيث المحافظات الأكثر حيازةً لخلايا النحل، فتأتي في المرتبة الأولى محافظة حضرموت، تليها المهرة، ثم الجوف وشبوة ومأرب والحديدة وأبين.

وقد بلغ إنتاج العسل عام 2021، حوالي 2,886 طنًّا، وفقًا لكتاب الإحصاء الزراعي السنوي الصادر عن وزارة الزراعة والري بصنعاء.

ويعتبر العسل اليمني أجود أنواع العسل عالميًّا؛ نظرًا لمذاقه الفريد وخصائصه العلاجية، وترجع دراسةٌ ذلك إلى تنوّع المراعي النحلية المنتشرة في البيئة اليمنية، مثل التنوع الطبوغرافي الذي يبدأ من السواحل وينتهي بالمرتفعات الجبلية، فضلًا عن تعاقب السهول والوديان والصحاري، وهو ما انعكس على التنوع النباتي الغني.

•••

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English