معلمة تحمل روحًا مُشعّة

التعافي من السرطان بإطعام القطط المشردة
محمد عبدالوهاب الشيباني
February 27, 2025

معلمة تحمل روحًا مُشعّة

التعافي من السرطان بإطعام القطط المشردة
محمد عبدالوهاب الشيباني
February 27, 2025
.

في التاسعة من صباح معظم الأيام، تصل إلى سوق الرقاص الأعلى؛ تجر خلفها عربة مصنوعة من الألمنيوم الخفيف بعجلتين صغيرتين مثل تلك التي تستخدم للتسوق العائلي في المدن الكبيرة، وفي بطن العربة وضعت علبة زيت بلاستيكية صفراء فارغة؛ شُقت من منتصفها وثبتت بشكل محكم بسيور بلاستيكية في جريد العربة المجرورة دومًا.

يكون عمال مسلخ الدجاج في السوق وقتها قد جمّعوا لها كمية من مخلفات الذباحة الصباحية (الرؤوس، والأمعاء، والأرجل)، فتضعها في العلبة البلاستيكية الواسعة، ثم تبدأ خط سيرها من الحارة الملاصقة للسوق ومجاوراتها من الحواري والشوارع الخلفية. 

حالما تشعر القطط المشردة بقدومها، تتجمع في الموضع الذي تقف فيه باستمرار، فتنثر عليها الكمية الكافية من القطع التي تلتقطها القطط بهدوء وتحملها إلى مخابئها تحت السيارات المركونة، أو أحواش المنازل الشعبية القريبة، وحين تنتهي من الحارة الأولى تنتقل إلى الحارة الثانية وهكذا، حتى تصل إلى مسلخ آخر في سوق الرقاص الأسفل، يكون عماله أيضًا قد حضَّروا لها كمية من المخلفات ذاتها، فتنتقل بها إلى حوارٍ أخرى بالقرب من الدائري الغربي.

تحمي يديها بقفازات بلاستيكية متينة، وتحمل على كتفها شنطة قماشية أنيقة؛ عليها رسمة قط يتوثب. تنتعل حذاء رياضيًّا وتعتمر كابًا فوق رباط الرأس التقليدي يقيها حرارة الشمس. لا يبدو عليها الفقر وضيق العيش، وتدل على ذلك هيئتها وملابسها المرتبة.

أثناء عودتي من المقهى قبل ظهر اليوم وجدتها بالقرب من مبنى اتحاد الأدباء تُطعم القطط، ولم يسبق أن رأيتها هناك. تجرأت ووقفت أمامها، وطلبت منها أن تجيبني عن بعض الاستفسارات إن لم يكن لديها مانع. كان من حسن الحظ أن حارس الاتحاد عبدالله جعفر يقف أمام أحد المحلات القريبة، فقدمني لها بشكل طيب.

كنت أتوقع أن ترفض التحدث معي، وفي أسوأ الأحوال أن تنهرني بقسوة، لكنها كانت لطيفة، وبدأت تحدثني عن حبها للقطط، وأنها منذ عشرة أعوام تقوم بهذه المهمة الإنسانية؛ لأنها شعرت بجوعها. قالت إنها تتعرض لكثير من التنمر من المارة، لكنها لا تعبأ به. قالت إنها من بنات مدينة صنعاء، وتعمل معلمة في الفترة المسائية في إحدى مدارس البنات الحكومية القريبة، وهي من أسرة ميسورة، وزوجها يشجعها على ذلك. قالت إنها مصابة بالسرطان منذ سنوات، وأن تجولاتها الصباحية لإطعام القطط والحيوانات المشردة تشعرها أنها بخير على الدوام.

قالت إن كثيرين يظنون أنها تمارس هذه العملية كوظيفة بأجر نقدي، وأن منظمات خيرية أجنبية أو بيوتات تجارية تدعمها، ولا يدرون أنها تنفق أيضًا من مالها، حين تمنح عمال المسالخ من وقت لآخر "بخشيشًا" نظير تجميعهم للمخلفات التي تطعم بها الحيوانات المشردة.

رفضت الإفصاح عن اسمها وعائلتها، لكنها لم تمانع من التقاطي لها بعض الصور التي لا تبين ملامحها. 

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English