أحبّ التأكيد على أنّ الصراع العربي القومي/ الإسرائيلي الصهيوني، ما يزال يحتل الواجهة المركزية التقليدية، "القضية المركزية"، ولكن في أبعاد ومضامين ورؤى جديدة تحررية وديمقراطية، يتأكد فيها حقيقة أنّ الصراع على المستوى القومي (العربي)، ليس هو كما يحب أن يصوره ويسميه البعض بــِ: الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وهي محاولة أيديولوجية/ سياسية مشبوهة ومقصودة، للفصل بين الفلسطيني، والعربي، محاولة للانقلاب النظري والمفهومي على معنى الصراع العربي القومي، ومحاولة لطمس عمق صراعنا القومي العربي المركزي، مع العدو الصهيوني، في صورة القضية الفلسطينية العربية، واختزال ذلك الصراع في بعد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وهنا برز وظهر منذ ثلاثة عقود -بعد تفكك وانهيار المعسكر الاشتراكي- دور منظري ودعاة "الأمركة"، تحت غطاء شعار "العولمة" على الطريقة الأمريكية، حتى بعد أن تحولت العولمة إلى حالة نيوليبرالية رأسمالية استعمارية (إمبريالية)، في سياق تطور الرأسمالية المتوحشة الجاري، وهو ما يروج له البعض على المستوى العالمي، وعلى مستوى بلداننا العربية، من المحاولين للدخول إلى العولمة من بوابتها الصهيونية/ الأمريكية، "التطبيع مع الكيان الصهيوني"؛ إما من خلال تحسين الوجه الأمريكي القبيح (الحروب والأساطيل والبوارج والقواعد العسكرية التي تحتل العالم)، أو من خلال الاشتراكية الدولية الاستعمارية الجديدة، جوهرها الحفاظ على التبعية الكاملة في هيئة الاستعمار الاقتصادي الجديد، وفي صورة النموذج الأمريكي، باعتبار أمريكا حامية للعالم الحر، والناشرة للديمقراطية في العالم، والنموذج الصارخ في هذا الاتجاه أفغانستان، وبعدها غزو واحتلال العراق، وفرض النموذج المذهبي الطائفي المحترب -بعضه مع بعض- والذي لم يعرف الاستقرار حتى اللحظة، والذي حوّل العراق، الذي هو من أغنى دول المنطقة العربية، إلى شعب يعيش تحت خط الفقر، وبدون كهرباء، ولا خدمات اجتماعية عامة، ولا أقرأ في الحرب الروسية الأطلسية منذ قرابة العام، سوى أنّها أحد أبعاد هذا الصرع العالمي، الدولي، لمحاولة استمرار فرض القطبية العالمية الواحدة بالحرب، ومنع ميلاد العالم متعدد القطبية، الذي يعتمد ويقوم على دمقرطة العلاقات العالمية، وتجاوز القطبية الواحدة، بالقضاء على الهيمنة والتسلط الاستعماري الجديد.
ومن هنا، من قلب هذا الصراع العالمي، أرى أنّ من الضروري التأكيد على أنّ القضية المركزية في صراعنا العربي/ القومي إنّما هي صيغة وجوهر الصراع العربي الفلسطيني الصهيوني الأمريكي مع حلفائه الغربيين الذين يتنامى في داخل بلدانهم اليوم، الميولُ والتيارات اليمينية والعنصرية المتطرفة؛ القومية والدينية والصهيونية معًا.
إنّ أهم خصوصية لفكرنا العربي القومي اليساري (الاشتراكي) التحرري الديمقراطي هو الحفاظ على جوهر هويته النظرية، والفكرية، والسياسية، في آفاق تحررية وديمقراطية، في أن نجعل الديمقراطية والمواطنة والقومية والاشتراكية مترادفات، بصورة تضامنية تكاملية، يكمل بعضها بعضًا، لا يمكن الفصل فيما بينها، هذا بعد أن ظللنا لعقود طويلة نرحل توطين المسألة الديمقراطية في أحزابنا وبيئاتنا ومجتمعاتنا، وعلى مستوى إدارة السياسة والنظام السياسي والدولة، إلى ما بعد حل "المسألة القومية"، تحت شعارات "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" أو تحت شعار حل "المسألة الاجتماعية"، وهي المعركة التي لم ندخلها بعد، وحتى حين ندخلها عسكريًّا، نخرج منها بحصاد سياسي بطعم الهزيمة (حرب 6 أكتوبر 1973م)، لأنّنا لا يمكننا أن ندخل لإدارة المعركة الوطنية، والقومية الحقيقية بأناس غير ديمقراطيين، غير أحرار، هم أنصاف عبيد، مسلوبو الإرادة، كما لا يمكننا أن نحقق العدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية الإنتاجية، ونحن واقعون تحت شرط التبعية الاقتصادية، ومحكومون باقتصاد الفساد، وباستقلالات سياسية منقوصة، وبدون الشرط السياسي الديمقراطي. فالتعددية السياسة والحزبية لا معنى لها مع الجوع والفقر، والتدمير المنظم، والممنهج للطبقة الوسطى من خلال سياسات التكيف الاقتصادي الهيكلي (الخصخصة)، المقصود منها تعميق التبعية الاقتصادية للرأسمالية المتوحشة، وتدمير اقتصادات الدولة النامية (الصغيرة)، وتعميم حالة الفقر على العالم، على شعوب الدول الفقيرة، ومن هنا، ضرورة تلازم وترابط التنمية الاقتصادية الإنتاجية بالشرط السياسي الديمقراطي، مع وحدة المسار القومي العربي التحرري بآفاقه الديمقراطية.
علينا اليوم أن نوحد، ونربط خيارنا في الوحدة العربية (القومية) بمصالح الناس اليومية/ الحياتية، (المادية والمعنوية، والروحية)، وأن نربط هذه المصالح بوسائل وأدوات تحققها في الواقع، ولنجعل من الناس البسطاء (الشعب) القوةَ الحاضنة، والحامية والمدافعة عن ذلك المشروع/ الوحدة، وهذه في تقديري، هي البداية الفعلية للحديث عن الوحدة العربية، ذلك أنّ الوحدة، ليست شعارات مجردة، عن "الوحدة الفورية"، بل مصالح منجزة ومحققة، فحين تتوحد المبادئ والقيم، بالمصالح الحياتية والتاريخية للناس، بعيدًا عن الشعارات الأيديولوجية الفارغة من المعنى، حينها فقط، نكون بدأنا التأسيس للدخول إلى عصر الوحدة، كما أنّها -الوحدة- اليوم، متوحدة ومندمجة بالحرية بمعناها العميق، والديمقراطية بمفهومها الواسع، وبقضايا حقوق الإنسان، والمواطنة المتساوية.
لا شك أنّ غياب أو تواري زمن الحرب الباردة بما كانت تعنيه من حالة توازن على المستوى الكوكبي، وغياب المعسكر الاشتراكي وتفككه وانهياره، قد أخلّ جذريًّا بالتوازن الدولي الذي كان، وأضعف بالمقابل الهيئات الدولية الشرعية (الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الدولية كافة)، ووضع العالم في حالة من فقدانه للتوازن النسبي الذي كان لصالح تكريس حالة من القطبية الواحدة (الإمبراطورية الأمريكية)، بعد أن غابت القطبية التعددية المنتظرة، لصالح محاولة تعميم اتجاه العولمة الأمريكية، الذي يحاول البعض اليوم فرضها بالقوة العسكرية، وبالانقلابات العسكرية، على الأنظمة الديمقراطية، كما هو الحال في أمريكا اللاتينية، والترويج الزائف للشعار الديمقراطي من خلال إطالة أمد الحرب الروسية الأطلسية، الحرب التي يشترك فيها (الناتو) والاتحاد الأوروبي بالمال والسلاح وبالمرتزقة الأجانب، وحتى في إشراك الأقمار الصناعية التجسسية في قلب هذه الحرب. كل هذا وذلك، يقول لنا إنّ هذه الحرب ليست روسية - أوكرانية، محصورة في تلك الحدود الجغرافية والديمغرافية، بل هي قد تكون عنوانًا وبداية لحرب عالمية ثالثة، فأمريكا، وأوروبا المفككة والتابعة في قلب هذه الحرب، ليستا جمعيات خيرية، ولا هي حاملة لراية الدفاع عن الديمقراطية، الهدف السياسي والاقتصادي الكبير والعميق منها هو منع إحداث وقيام عالم متعدد الأقطاب، ومن هنا اشتغال الآلة الإعلامية والأيديولوجية الغربية لطمس جوهر ومضمون الوجه الحقيقي للصراع والحرب، وتحويلها إلى صراع بين الشر (روسيا) والخير (الغرب الأمريكي الأوروبي الأطلسي).
إنّ واحدة من إشكالات (أزمات) فكرنا القومي العربي وفكرنا اليساري (الاشتراكي) وحتى الإسلامي، هو أولًا غياب المراجعات النقدية، ومحاولتنا السير على أصول وثوابت معرفية ونظرية مقدسة، (سلفية)، بعيدًا عن إعمال الوعي والفكر النقدي.
إنّ غياب الوعي التاريخي، وانحصار مفهوم الزمن –عند البعض- في حدود الزمن السياسي المهيمن اليوم على تفكير البعض، هو ما يقودهم إلى ضبط إيقاع حركة الزمن التاريخي عند حدود تلك اللحظات من الزمن السياسي العابر، وهنا تكمن أحد أهم ظواهر ومسببات أزمة الفكر القومي العربي، وأزمة الفكر اليساري التقدمي الاشتراكي عند البعض، طبعًا إلى جانب عوامل أخرى، لا يتسع لها هذا المقام، ولهذا لا نستغرب تكرار حديث البعض عن انتهاء زمن الأيديولوجية، وأفول عصر القوميات، وتراجع الكلام عن فكرة الوطن العربي، وحلول بديل عنها؛ مفهوم "الشرق الأوسط الجديد"، وخطاب موت القومية العربية، حتى القول بنهاية التاريخ، ترديدًا لما يقوله مفكرو الاستعمار الجديد، وبالنتيجة اختزال واختصار الصراع العربي القومي الفلسطيني الإسرائيلي، إلى كونه مجرد خلاف فلسطيني/ إسرائيلي على قطعة من الأرض! مشكلة حدودية، مع أنّها في كل ما يجري اليوم مسألة وجودية ومصيرية، نكون أو لا نكون، وكلها مفاهيم وأفكار تعكس –عند البعض- ضعف وغياب الرؤية النظرية الفكرية الاستراتيجية بما كانوا يؤمنون به من رؤى، وأفكار ومفاهيم، وتحولها عند البعض إلى مجرد شعارات للاستهلاك السياسي اليومي، بعد تغليب المصالح الصغيرة، على القيم والمبادئ، التي يقوم عليها المشروع القومي العربي الديمقراطي.
حقًّا، لقد رفعت أو كشفت حرب الخليج الثانية، واحتلال الكويت، وما تلاها من تطورات، عن ورقة التوت التي كانت تستر أوجه أزمة فكرنا القومي العربي، وفكرنا اليساري التقدمي، وخاصة في المواقع العربية الهشة، ضعيفة التأسيس والتكوين، وهو ما تجلى في حركة التراجعات الفكرية والسياسية التاريخية عند البعض، عن مواقعهم الوطنية، والقومية والاشتراكية، للتلاقي والتماهي مع المواقف والمواقع الاستراتيجية المناقضة لما كانوا يؤمنون به، تحت مسميات الواقعية والموضوعية والتاريخية، حتى رأينا كيف يصبح العدو الاستراتيجي (الكيان الصهيوني)، حليفًا وصديقًا، وأفكار التغيير مغامرة وتطرفًا، وتصير القومية العربية مرضًا طفوليًّا، والاشتراكية حلمًا مجنونًا، والماركسية أفكارًا مستوردة، والمقاومة والثورة خرقًا لنواميس الحياة الجديدة، في صورة أمريكا راعية سلام القوة والحروب، ضدًّا على السلام العادل والحل الشامل للقضية العربية الفلسطينية، ولكل قضايا الإنسان في العالم.
ليس عييًا أن نسقط ونتجاوز، ونعدل ونغير بعض مفاهيمنا المعرفية والنظرية والفكرية والسياسية، بعد أن أصبحت معوِّقة لتطورنا وتقدمنا، وغير قادرة على تجديد نفسها في قلب الحياة، وغير قادرة على مسايرة وقائع حركة التطورات العالمية التقدمية الجديدة في عمقها الإنساني، فعلينا ألّا ننكر أنّ هناك جوانب شاخت، وتكلست وضمرت في الفكر القومي العربي، وفي الفكر التقدمي الاشتراكي –الماركسي- وفي الفكر السياسي الإسلامي، على أنّ ذلك لا يعني سقوط حلم الناس بالحرية، وبالقومية الديمقراطية وبالاشتراكية، إلا إذا تعاملنا مع القومية ومع الاشتراكية، باعتبارهما دينًا، أو مذاهب عقائدية جامدة، وليستا مناهج للبحث، وللرؤية والتحليل، مناهج لقراءة الواقع ونقده، بما فيه نقد النظرية ذاتها في جوانب قصورها، ونقد ذواتنا في سياق الممارسة أين أخطأنا وأين أصبنا.
إنّ واحدة من إشكالات (أزمات) فكرنا القومي العربي وفكرنا اليساري (الاشتراكي)، وحتى الإسلامي، هو أولًا غياب المراجعات النقدية، ومحاولتنا السير على أصول وثوابت معرفية ونظرية مقدسة، (سلفية)، بعيدًا عن إعمال الوعي والفكر النقدي، والأمر الثاني: غياب روح الممارسة الديمقراطية "التعددية" في جوهر الممارسة النظرية عندنا، وفي التطبيق السياسي الذي كللنا وتوجنا به ممارساتنا السياسية والعملية والتنظيمية، حتى تحجّر وجمّد فينا كل شيء، بما فيه روح العقل النقدي الإبداعي، ولذلك لم يتبقَّ أمام البعض منا سوى التحلل من كل مسؤولية تجاه عملية الإصلاح والتغيير، الملقاة على عاتقنا، والنتيجة تصفية حساب عبثي طفولي مع كل تاريخنا الوطني والقومي التحرري، وكأن ذلك هو سبب مشاكلنا في الأمس، واليوم، وما تعيشه القضية العربية الفلسطينية اليوم رغم المقاومة الباسلة للناس في فلسطين المحتلة، الناس العزل من المال والسلاح والذي يقول لنا غير ذلك، ومن أننا يمكننا أن ننتصر إذا امتلكنا إرادتنا بأيدينا، واستثمرنا إمكانياتنا ومواردنا المالية والبشرية في الاتجاه الصحيح، على طريق عودة الروح إلى الجدل الخلّاق بين الوطني والقومي بآفاق تحررية وديمقراطية.