عن بديهيات حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

سحق "حماس الإرهابية" لا يكفي لإنهاء العنف وتحقيق السلام
عبدالرشيد الفقيه
October 22, 2023

عن بديهيات حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

سحق "حماس الإرهابية" لا يكفي لإنهاء العنف وتحقيق السلام
عبدالرشيد الفقيه
October 22, 2023
By-Getty

هناك محاولات حثيثة، إسرائيلية وأمريكية وغربية، بدرجة رئيسة، من أجل فرض تعريفٍ مُجتزأ، لمضامين جولة الصراع الراهنة، التي اندلعت بين الفلسطينيين والإسرائيليين، منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، بهدف حصر تعريف المسألة، بسطحية، في خمسة عناوين رئيسة، عملية طوفان الأقصى، وبحماس الموصومة بالإرهاب، ومعها إيران ومجموعات موالية لها، إرهابية كذلك، وبضمان حق إسرائيل، المتحضرة -حسب الادعاء- في الدفاع عن النفس، وحق الرد، على الهجمات الإرهابية، وفي انتزاع مكرمة إسرائيلية، بالسماح بدخول المساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية، إلى قطاع غزة، مع تعمد التعامي التام، عن جذور وأبعاد الصراع، وتعقيداته، وحمولاته الثقيلة من المظالم والعذابات والضحايا، وعن جُملة من المقدمات التي خلقت حالة الاحتراب الدامية، وخلقت بيئة مثالية، لأحداث مستقبلية، أكثر دموية.

ولمواجهة تلك السردية المُبتسرة، وغير الدقيقة، وغير النزيهة، وغير العادلة، بكل إكراهاتها وتابواتها، بات من الضرورة بمكان، الاشتغال على مقاربات واعية، تستدعي ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بكل محطاته ومرجعياته ووثائقه وتجاربه، ابتداءً من وعد بلفور، وصك الانتداب، والنكبة، وإعلان قيام دولة إسرائيل 1948، مرورًا بالقرارات الدولية، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن الدولي، رقم 242، الصادر بتصويت أعضائه الـ15، في 22 نوفمبر 1967، وإلى كل مرجعيات حل الدولتين، بحدود 67، واتفاق واي بلانتيشن، واتفاقية أوسلو، الموقعة في 13 سبتمبر/ أيلول 1993، ومفاوضات بازل، وكامب ديفيد، وخارطة الطريق المُعلنة في 30 أبريل/ نيسان 2003، والهادفة لإنجاز تسوية نهائية وشاملة للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني بحلول عام 2005، وإلى تراكم ثقيل من إخفاقات جهود عملية السلام، عن تحقيق الحد الأدنى من المكاسب، لناحية الحقوق المشروعة للفلسطينيين، رغم التنازلات الكبيرة التي قدّمها مرارًا قادة منظمة التحرير الفلسطينية، المعتدلون، والذين يصعب وصمهم بالإرهاب، تحت أي ظرف، وانتهاءً بالمبادرة العربية، وموجة التطبيع الأحدث، ضمن تفاهمات ما عُرف بصفقة القرن، سيئة الصيت، والمآلات، والنتائج.

ويمكن استعراض حصاد الكفاح الدبلوماسي والسياسي، الفلسطيني والعربي، تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، في إطار المفاوضات والاتفاقات، بالتوازي مع طوفان تطبيع الدول العربية مع إسرائيل، المشفوع بمبادرات تطمين إسرائيل، بما في ذلك الانخراط في عمليات تهيئة وتشذيب بنيوية، للمؤسسات والهياكل والمجتمعات والدول، وللمناهج والخطاب والفنون، لتكون مستوعبة لمرحلة السلام وحسن الجوار، مع إسرائيل، التي لم تقدّم بدورها، أي خطوات تطمين لجيرانها، بل على العكس من ذلك، واصلت مسيرتها العدوانية، ككيان احتلال، بصورة قوّضت حقوق الفلسطينيين، ووسّعت دائرة الاستيطـان، وعقّدت الصراع، وفاقمت ملفاته، من اللاجئين والنازحين، والأسرى، وحق العودة، وواصلت استفزازاتها في الـقدس، وقطعت المياه، والخدمات، واستهدفت فلسطيني 1948، وراكمت سجلًّا حافلًا من الانتهاكات والمظالم وممارسات التنكيل والإذلال، ضدًّا على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وكافة الصكوك والمواثيق الدولية.

إنّ ذلك المناخ، المَلغُوم، هو الوضع المثالي، لتخلق جماعات راديكالية، مثل حماس، والجهاد، وحزب الله، والتي تستند على دعم مجتمعي وشعبي، واسع النطاق، ومتعاظم، يرى فيها حركات تحرر وطني، ناجعة، بعد تراكم إخفاقات تيارات السلام، والاعتدال، والتي باتت موصومة بخيانة مجتمعاتها وشعوبها، وهو وضع مناقض كليًّا، لما كان عليه الحال قبل عشرين سنة من الآن، حين كان وعد قيام دولة فلسطينية، من خلال عملية السلام، بحلول عام 2005، مرفوعًا، بخارطة طريق مزمَّنة، برعاية اللجنة الرباعية، وضمانتها.

جرفت السياسة الأمريكية، الأحادية، والصلفة، والمارقة، بممارساتها، لا بادعاءاتها، كل المضامين الخلّاقة والبنّاءة، واللامعة، للتحضّر، والديموقراطية، والسلام، والتعايش، وحقوق الإنسان، والعدالة، والقانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والقرارات الدولية، وعززت، بصورة غير مسبوقة، كل ما فشلت في تسويقه، كل الجماعات الراديكالية، من مضامين ثقافة العنف والكراهية، والتطرف.

ورغم أن فزاعة الإرهاب، المُستهلكة، باتت أشبه بفقاعة فارغة، لأسباب عديدة، ليس من بينها براءة حماس من تهمة الإرهاب، تتمثل أبرز تلك الأسباب، في الاستخدام الأمريكي الكيدي المتكرر لفزاعة الإرهاب، الفضفاضة، والإجراءات الأمريكية الأحادية المُسيسة لها، ومعضلة ازدواجية المعايير الأمريكية، والتحيز الأمريكي الفاضح لإسرائيل، وعربدتها، وإرهابها، وانتهاكاتها، إلا أن إسرائيل ومعها أمريكا والغرب، ركزت خلال الأيام المنصرمة من عمر هذه الجولة من الصراع، على وصم حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى بالإرهاب، لكأنّ العنف أصيل في فطرة عناصرها، وجوهرهم، وتكوينهم البيولوجي، بمعزل عن السياق المعقد، الذي ولّد ذلك العنصر العنيف، المتفاعل مع مدار من العناصر العنيفة الأخرى، والتي تجعل من حماس، كتشكيل، وكعناصر، حالة قائمة، لها منظورها، وسرديتها، التي لا يمكننا تجاهلها، بغض النظر عن اختلافنا ورفضنا لها.

وفي سياق أوسع، فقد جرفت السياسة الأمريكية، الأحادية، والصلفة، والمارقة، بممارساتها، لا بادعاءاتها، كلَّ المضامين الخلاقة والبناءة، واللامعة، للتحضّر، والديموقراطية، والسلام، والتعايش، وحقوق الإنسان، والعدالة، والقانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والقرارات الدولية، وعززت، بصورة غير مسبوقة، كل ما فشلت في تسويقه، كل الجماعات الراديكالية، من مضامين ثقافة العنف والكراهية، والتطرف.

بل إنّ تلك السياسات، وبفعل تراكم خبرة مجتمعاتنا مع جماعات الإرهاب ودوله، بغزواتهم وحروبهم، أعادت تعريف الكثير من المفاهيم، كمفهوم الإرهاب، الذي بات أشمل مما كان عليه قبل العام 2000، فبات يضم بالإضافة إلى عناصر التشكيلات والتنظيمات الراديكالية بلحاهم وعمائمهم وجلابيبهم الرثة، قادة دول، وحكومات، يرتدون بِدَلًا فاخرة، وربطات عنق، يُطلون بوجوه مُنعمة، ويجوبون العالم بطائرات خاصة، ويُستقبلون بمراسيم مهيبة. وبالمثل تمامًا، بات تعريف مفهوم التحضر، يعني بالنسبة لمجتمعاتنا، سيادة القانون الدولي، وقيم حقوق الإنسان، وقيم العدل والإنصاف، لا مجرد الشعارات والخطابات الفارغة، ولا مجرد التقنيات والوسائل والآليات الحديثة.

لذلك، فإنّ لافتة استئصال حماس، الإرهابية، والجماعات الموالية لإيران، لم تعد قابلة للتصديق، ولم تعد حتى جديرة بالتوقف عندها، بل بعكس ذلك، ترسخت قناعات، لدى الأغلب الأعم من الناس في الشرق الأوسط، بأن سحق حماس والتشكيلات المماثلة لها، لن يقضي على العنف، ولن يُنهي دورات المظالم، ولن يوقف شلالات الدم، ولن يكفل الحقوق، ولن يُحقّق السلام، ولن يجلب الرخاء والنماء والاستقرار والتحضر والديموقراطية، وأنّ عملية سحق حماس، الإرهابية، في حال كُتب لها النجاح، ستتكفل، بكل أسف، بتعبيد الطريق، لظهور جيل جديد من جماعات العنف، أشرس، وأقوى، وأكثر شعبية.

ولهذا، فعوضًا عن تلك المغامرات غير المحسوبة العواقب، والمباريات الصفرية، يجب العودة إلى بديهيات حل الصراعات، بدراسة وتتبّع جذورها وأبعادها وأسبابها وأطرها وعُقدها وأسانيدها القانونية والأخلاقية، من أجل تصوّر سُبل حلّها طبقًا لمنطق العدل، لا لمزاج القوة وغطرستها، ولأوهام الإخضاع والإذلال، فمفتاح ذلك الحل، قيام دولة فلسطين، كاملة السيادة، وضمان حقوق مواطِناتها ومواطنيها، لا أكثر من ذلك، ولا أقل.

•••
عبدالرشيد الفقيه

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English