مريم ونوّارتها وأغنية للحزن البعيد

عزالدين العامري
May 12, 2023

مريم ونوّارتها وأغنية للحزن البعيد

عزالدين العامري
May 12, 2023
خيوط

(1) 

كانت جالسة على حافة سقف منزلها القديم، والمحاط بأشواك (العِلب) و(القرَض). الجبال الشاهقة تكوِّن خلفها لوحة تشكيلية بديعة حينما تكتسي بالشمس الغاربة، وهي تلملم أشعتها الذهبية النافرة على امتداد القرى والحقول البعيدة. 

مدّت بصرها إلى البعيد، إلى البحر، إلى حيث ذهب ولدها الوحيد وتركها تعارك دجاجها الأربع كل مساء، حين تريد إدخالها إلى (الدوم) القابع أمام بابها الخشبي.

ككلب أليف تركها أحمد تصارع قلبها الذي يكاد يخترق قميص صلاتها الأبيض ويطير متجاوزًا الجبال العملاقة، إلى حيث يكون.

(2) 

الليل يسحب لحافه على الجبال و(الهيَج) المخيفة والبعيدة. أصوات الثعالب تتردّد على (الضاحات) المخيفة، وهي كلما سمعت صوت ثعلب تخرج إلى (دومها)، لتتأكد من عدم نقصان دجاجها، ولتتأكد من وجود ضوء سيارة قادمة، قد تحمل إليها ولدها الوحيد من (عدن)!

(3)

 أطلّت إحداهن من شباك منزلها المقابل لمنزل (مريم)، وقالت لها:

- "يقولون وقعت حرب بعدن!".

- "منو قال؟".

- "سمعتو بالراديو".

- "خينا كذاب".

- "الراديو ما يكذبش".

- "كلكم كذابين يا بنتي".

(4) 

أشعل الحديث الذي دار بينها وبين جارتها (ذبالة) قلبها العجوز، وجعلها لا تبارح سقفها الترابي في الصباح، ونافذتها الجنوبية في المساء. قالت وهي تعيد ربط مَصَرَّها المنقّش: "لو يمكنني الصعود إلى رأس الجبل وأنادي بصوت عالٍ: ارجع يا حبيب القلب، ارجع".

تساءلت بمرارة: لكن من سيستجيب؟! ليس للقنابل آذان!

(5) 

جلست أمام نافذتها متوجسة، كأنها تجلس على الجمر، دفعت بتوتر حبات مسبحتها الخشبية، وكلما انزلقت حبة من حبات المسبحة، على خيط النايلون الرقيق، تتمتم: "مات، لم يمت، مات"، تزداد تعابير وجهها صرامة عندما تنطق كلمة "مات"، وتنفرج أساريرها عندما تقف حبات مسبحتها على كلمة "لم يمت".

(6) 

تحط العصافير على السقف الترابي للمنزل، تشاهدهم (مريم) وهم يبرغثون سقفها بحثًا عن الطعام، تبتسم مخاطبة هذه الكائنات الجميلة: "أيحين قا جوعتم؟".

ثم تنثر أمامهم بعض حبوب الدخن، وتخاطبهم: "كلوا خينا ابني، أحمد يكون جيعان مثلكم".

(7)

تعالت أصوات الثعالب من جديد، معلنة قدوم ليلة جديدة، و(مريم) ما تزال تنظر إلى البعيد، وحين تسمع أي حركة أمام دارها، تُسارع بالنزول إلى الأسفل، واضعة يدها اليمنى مقابل ضوء النوارة الشحيح، حتى لا تطفئه تيارات الهواء. تنزل الدرج الواحدة بعد الأخرى، ببطء شديد تنادي: أحمد وأحمد ثم تفتح الباب، لكنها لا تجد أحدًا، تعود إلى غرفتها، تطفئ نوَّارتها، لكن قلبها ما يزال يشتعل.

•••
عزالدين العامري

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English