بين اعتلالات البُنى والسُّلط وأهلية الناس

من أين نبدأ جهودَ الإصلاح في مجتمعاتنا؟
عبدالرشيد الفقيه
April 6, 2024

بين اعتلالات البُنى والسُّلط وأهلية الناس

من أين نبدأ جهودَ الإصلاح في مجتمعاتنا؟
عبدالرشيد الفقيه
April 6, 2024

لا جدال في أنّ مجتمعاتنا واقعة بين مخالب التخلُّف على امتداد القرون الماضية، وهذا أمر يكاد يكون من المُسلَّمات المُجمَع عليها بين مختلف التيارات، في حين يتركز الخلاف والتباين والتنافس على ماهية سبُل الإصلاح، وترتيب سُلّم أولوياته، ومرجعياته، وآلياته، والغايات والأهداف المنشود تحقيقُها منه.
وقد استُهلِكَت الأغلب الأعمّ من طاقات ومقدّرات وفُرص مجتمعاتنا، ولأجيال عدة، في محاولات إنجاز الفرد الصالح، سواء من منظور ديني أُخرويّ، أو من منظور دنيويّ، أو من منظور يجمع بين الدنيويّ والأخرويّ.

وبصرف النظر عن حُسن النوايا وسمو المقاصد والغايات التي حرّكت تلك المُحاولات، على كثرتها وتعدّدها وتواترها، فالثابت اليوم، أنّها لم تحرك ساكنًا ولم تُسكن مُتحركًا من حال إشكالات التخلّف التي طال أمد استيطانها واستفحالها في كل أحوال مجتمعاتنا، دون فرز أو تفريق بين التيارات والأيديولوجيات والشعارات.

وبعد تراكم طويل من التجارب وخيباتها، منفردةً ومجتمعة، فقد آنَ الأوان لأن تُركَّزَ جهودُ الإصلاح والتغيير والتحديث في مجتمعاتنا على البُنى والهياكل والآليات والوسائل، عوضًا عن مواصلة المراهنة على نهج إصلاح الأفراد، الذي اقتصرت مفاعيله بحدود تغيير وتدوير الوجوه، من خلال تمكين مَن تتصوّر كلُّ جماعة نافذة أنهم أهل الصلاح، فيما بقيت الآداءات الفاسدة على حالها، وبدون الحاجة إلى الخوض في إشكاليات منظور الجماعات للصلاح والأهليّة، على كثرتها، فإنّ الثابت والجلي بالتجربة، أنّ اعتلالات وأعطاب البُنى والهياكل والآليات والوسائل والنُّظم والسُّلط والمؤسسات القائمة، بقيت مصائدَ تلتهم ثقوبُها السوداء ما لا يُحصَى من الموارد والطاقات والفرص والأحلام والغايات والوعود، وستبقى كذلك، ولو وُزر عليها ملائكة من السماء.

ومنعًا لأيّ التباس أو سوء فَهم، يجدر القول بوضوح، هنا، أنّ تلك الإستحالة، لا تعني بأي حال التسليم بأن التخلف قدرٌ ملازم لكلِّ مراحل مجتمعاتنا، يستحيلُ الفكاك من براثنه وشِراكه، وأن التخلف والضعف في جوهرنا وفي جيناتنا وفي طبيعتنا، بل أن واقعنا على سوءه، هو ناتج لمعادلات، يتغيّر بالعمل الجاد والواعي على تعديل عناصرها وتراكيبها، وفي تاريخنا التليد السابق لكبوتنا الطويلة ما يكفي من الشواهد على حتمية ذلك، كما في نجاة مجتمعاتٍ عدّة، لا حصر لما بيننا وبينها من المشتركات والخصائص، أعادت للتو الاعتبار لذاتها وكينونتها، كما في تجاربها الحية، في النكوص والنهوض، من الدروس والحوافز والإلهام ما يكفي لإرواء وتحفيز إراداتنا ورُؤَانا وتصوّراتنا.

ولعل أحد القواسم المشتركة بين الكثير من المجتمعات التي أنجزت مشروعها النهضوي، هو ما بُذل من تركيز وجهود لإصلاح البُنى والهياكل والآليات والوسائل والنُّظم والسُّلط والمؤسسات العامة، كسبيل جنب تلك المجتمعات الكثير من الموارد والطاقات والفرص التي كان يُمكن أن تُهدر في محاولات قولبة الأفراد وتنميطهم وبرمجتهم تحت عنوان الصلاح، فكانت البُنى والهياكل والآليات والوسائل والنُّظم والسُّلط والمؤسسات، النزيهة، والجيدة، والكفؤة، والصالحة، هي إطار المجتمع الصالح، والأساس الخلاق لتوجيه واستيعاب واستثمار طاقات الأفراد، بتنوعهم، واختلافهم، وتنافسهم.

وفي عالم اليوم، ونحن ومجتمعاتنا بكل مكوناتها وتياراتها جزءٌ لا يتجزأ منه، شئنا أم أبينا، فإنه يستحيل على أيٍّ كان، مهما بلغت قوته ونفوذه، قولبة ملايين الناس على طريقة مصانع المعلبات، بمقاييس واحدة، ومضامين متطابقة، وألوان موحدة، وأفكار متشابهة، كما يستحيل أن نعيش في قوقعة نرجسية تتوهم الاصطفاء والتفوّق الفِطريّ، مُحكمة الإغلاق في وجه حركة الحياة من حولنا، بمعزل عن تطورها الطبيعي العابر للحدود والثقافات والإثنيات والأيديولوجيات، بكل أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والجيوسياسية والأمنية والتكنولوجية والتقنية، فيما يختلف الأمر بالنسبة للعمل على إصلاح البُنى والهياكل والآليات والوسائل والنُّظم والسُّلط والمؤسسات، طبقاً لمبادئ ومحددات الحوكمة، والإدارة الجيدة، والنزاهة، والشفافية، والقانونية، والمشروعية، والنزاهة.

إنّ السبيل الأمثل والأرشد أمام جيلنا للقيام بمسؤوليته الوجودية المُلحّة المتمثّلة بمهمة ردم مُحيط الفجوة الحضارية الهائلة بين مجتمعاتنا وبين العالم من حولنا، أن تنصرف جُلُّ جهودِنا إلى بناء وتأهيل وتحديث البُنى والهياكل والآليات والنُّظُم والمؤسسات والسُّلط.


وعلى سبيل المثال، حين يحدث اختناقٌ مروريّ أو تتكدُّس النفايات في الشوارع، فإن أصابع الاتهام ستُشير بوعي إلى إدارة المرور وإدارة النظافة، وإلى السلطة الحاكمة، وليس إلى الناس، وليس إلى الأفراد، باعتبارهم لا يحبون النظافة، أو لكونهم يحبذون قضاء ساعات طويلة من أوقاتهم في الشوارع المُزدحمة، ومن البديهي حينئذ أن تتجه الجهود لإصلاح إدارة شرطة المرور وإدارة النظافة، ومحاسبة السلطة، عوضًا عن بذل الجهود المُفرطة في وعظ الناس عن أهمية النظافة وتعريفهم بصلتها الوثيقة بالإيمان، وحثهم إلى فضائل التزام قواعد قيادة المركبات!

ومن أقصى شرق الأرض إلى غربها، ومن شمالها إلى أقصى جنوبها، فليس هناك شعبٌ متحضّر وشعب متخلّف، في جوهرهم، ولا بشر متفوقون وبشر متخلفون، ولا أفراد أذكياء وأشخاص أغبياء بالفطرة، ولا بشر صالحون وبشر غير صالحون، بل هناك بُنى وهياكل وآليات ونُظُم ومؤسسات وسُلط وقيادات حديثة وكفؤة وفاعلة وقوية، وهناك بُنى وهياكل وآليات ونُظم ومؤسسات وسُلط وقيادات فاسدة ومتهالكة ومُتقادمة ومعطوبة ومُتخلفة، وهناك دول متخلفة ودول متحضرة، وهناك دول قوية ودول ضعيفة.

إن السبيل الأمثل والأرشد أمام جيلنا للقيام بمسؤوليته الوجودية المُلِحّة المتمثلة بمهمة ردم الفجوة الحضارية الهائلة بين مجتمعاتنا وبين العالم من حولنا، أن تنصرف جُلُّ جهودِنا إلى بناء وتأهيل وتحديث البُنى والهياكل والآليات والنُّظُم والمؤسسات والسُّلط، لتأمين مراكب حديثة وكفؤة وآمنة وصالحة للعبور بمجتمعاتنا إلى النهوض والازدهار والاستقرار والسلام.

ولتلخيص فكرة هذه التناولة، أستنبط من مناقشات ثريّة خُضتها مع كابتن الطيران المرموق، طلال الشاويش، حول الطيران، وعلومه وحساباته المُعقدة والدقيقة، حيث يُمكن تشبيه قيادة وإنجاز عملية التغيير والإصلاح المنشودة، بعملية الطيران، التي تعتمد على عدة عناصر أساسية؛ أهمّها وجود طيار مؤهل ومُحترف، ووجود طائرة حديثة، ووجود نظام حديث لإدارة عمليات الطيران، بكل مراحلها، لا وجود فيها لأيّ هامش للارتجال والمجازفة، والتساهل مع انعدام أيٍّ من تلك العناصر يجعل من عملية الطيران محضَ عملية انتحار ومقامرة غير مسؤولة، بالغة الكُلفة والحماقة، وهو ذات الأمر الذي تتطلبه عمليات التغيير والإصلاح، بذات القدر من التحكيم العلمي، حيث يتوجب العمل على استيفاء كافة مُتطلباتها، بكافة مراحلها، لا القفز في الظلام، والمقامرة بالتجريب بمصائر ملايين الناس وحيواتهم.

•••
عبدالرشيد الفقيه

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English